الأحد، 10 أغسطس 2014

( الأثر ) لجمال مليكة - مقالي المنشور في جريدة الفنون - الكويت يوليو 2014

في معرضه الأخير بجاليري الكحيلة يعرض الفنان التشكيلي المصري جمال مليكة أحدث  تجاربه تحت عنوان "الأثر" أو "EROSION " تلك التجربة التي تعبر في رأيه عن أثره و البصمة التي يتركها للعالم ، و هذه هي المحاولة الثانية لمليكة في تقفي أثره في الوجود الأولى كانت في معرضه المشترك مع أعمال النحات العالمي أوجست رودان  - بجاليري هاي هيل لندن 2010 - و التي يعتبرها أحد أهم المحطات في مسيرته الإبداعية كما يقول و عليه فقد عرض في معرضه الاخير لوحتين عرضتا فيه كأثر لهذا الحدث .
يرينا مليكة في لوحاته ذلك العالم الوسط بين الكون الذي ندركه و الكون الذي نحسه عالم الصور و التمثيلات ،عالم المادة و اللامادية هذا العالم الذي هو واقعي و متماسك و أزلي تتجسد فيه الروح و يتروحن الجسد و يتولد التجلي في هذا العالم الباقي و الأزلي الذي يحتفظ بأثر كل منا ، ذلك العالم الذي يضم الأحداث الرمزية في واقعها الحقيقي و ليس المتخيل عالم الحساسية المدركة بالعقل فكل أثر في هذا الكون  مهما كان متناهياً في الصغر كأثر الفراشة التي  إن رفت بجناحها في أقصى العالم تؤثر على دورة المناخ في الطرف الاخر ، الأثر  هو كل ما يتبقى منا في رحلتنا الأرضية و يراه مليكة كقطرات الماء التي تتوالى على جبل فتنحته و تشكله كنحر في الصخر و مجموع تلك الآثار هو ما يعيد تشكيل و ترتيب الكون و ما يحدث الفرق فيه و قد عبر الفنان عن رؤيته هذه في لوحاته المتراوحة الألوان بألوان  طيف الروح " الأحمر – الأزرق- الأصفر – الأسود –الأبيض و البني لون الرمال" و الملامس الغائرة و البارزة و الأجسام المجردة التي يبدو و كأنها أطياف أو أشباح و هياكل أجسام متحللة و مجردة و استبعد اللون الأخضر لأنه في رؤيته الخاصة جداً تعبير عن الخير و الخصوبة و العطاء و كما قال ليس أنا من يحكم على الأخضر في أثري بل الآخر ، و استعمل في هذه الحيوات المجردة التي تركت بصمتها و أثرها لون الذهب الذي لا يتحلل و لا يفنى و يبقى عبر الأزمنة مستلهماً اياه من ميراثه المصري القديم في إظهار قيمة خاصة للذهب .
و مليكة دائماً ما لعب في أعماله الفنيه على ثلاثة محاور هي التقنية العالية في الخط و اللون ، التكوين الصرحي المجرد في نفس الوقت ، الاستلهام من تراثه المصري الأصيل بروحانيته و ثراءه و خصوبة و حرارة ألوانه و ربما يبدو ذلك واضحاً من العناوين التي اختارها للوحاته "أنافورا –  رجال الصحراء  - الوجد – الأثر – أحفورة" ، أما تكوينات جمال مليكة و موتيفاته الأيقونية فهي نتاج تجربته الشخصية و تعبيره عن رؤيته للواقع و ما ورائه ففي نطاق بحثه عن أسلوبه الخاص و هويته الشخصيه عثر  على طريقته المميزه سواء في الحركة داخل اللوحة أو في مزامنة الأوضاع و العناصر التي كونت وجود مليكة الخاص على اللوحة ، فهو لا يعد نفسه منتمياً لأي مدرسة أو حركة تشكيلية بعينها و ربما كان هذا التفرد و التميز هو ما دفع بالناقد الراحل الكبير كمال الملاخ "مكتشف مراكب الشمس" لتقديم مليكة في معرضه الأول في القاهرة و يكتب عنه قائلاً " في الخيال الثائر بكل إبداع .أعمالك الفنية تذكرني و تنقلني للتو إلى أجواء أساطير الحضارة و عوالم الإيمان ".
فقد سعى جمال مليكة جاهدا عبر رحلته مع الفن التي بدأت في مصر منذ طفولته في مركز القاهرة للموهوبين حيث تتلمذ على يد أساتذة كبار مثل " راغب عياد – حامد ندا – غالب خاطر "  إلى ترك بصمته و أثره المستمد و النابع من تراثه الأصيل المتأثر و المتفاعل مع دراسته و تأثره بتجربته المكتسبة من العيش لأكثر من أربعين عاماً في إيطاليا  حيث وظف دراسته و المهارات التي اكتسبها خلال دراسته بأكاديمية بيريرا للفنون بميلانو في ابتكار اسلوبه المميز في لوحاته الذي يجمع ما بين التجريدية و التشخصية و تراثه الماضي فيه يمثل  جزءاً من الحاضر و البيئة المحيطة به ، هذه البيئة ليست ماضياً بل حاضراً ملموساً في ذهنه و تجاربه و مخيلته فماضيه هو جزأ من معرفته بالحاضر ، ليوجد بذلك رؤية مميزة صهر فيها تجاربه و شخصيته و معتقداته و خيالاته و أحلامه واكتشف مساره المميز الذي ميز مسيرته الفنية عبر تطورها منذ البدأ و حتى الآن .
تلك المسيرة التي  كان فيها الإنسان و علاقته بالزمان و ما يتركه من أثر  و مازال هو قضية مليكة الشاغلة فأعماله ما هي إلا مشاهد من الإيقاع المتدفق و المتناغم بين الإنسان و الطبيعة المحيطة به مولداً بذلك رؤية دائرية للزمن تتجدد فيها الحياة و رصده لآثار الروح في الجسد الفاني  و هنا يقول مليكة أنه يرى آثار الحيوات التي يمثلها كآثار البيوت و المنازل من شباك طائرة فوق القاهرة تلك البيوت الفارقة في الرمادية بعشوائيتها و تراكبها و عدم انتظامها في فسيفساء تشبه ارواح قاطنيها في بنائهم و تنافرهم و تضادهم و ضبابيتهم مكونين صورة كليه هذه الصورة تكون وجود المدينة الذي هو في رؤيته صورة مصغرة من وجود العالم و كينونته كل بيت منها جزء و كل جزء أثر كما أن كل حياة جزء من الأثر الأعمق و الأقوى و الأكبر في الكون ، للبيوت حياة و تاريخ و ذكرى كما للأشخاص و كلاهما أثر لا يزول .
  أما إن سألت مليكة عن فلسفته التشكيلية فسوف يضرب لك مثل " باديب يكتب على ورقة بيضاء و هنا هو لا يضيف من وجهة نظره أسود على أبيض بل يحذف من الأبيض ليخلق عالمه الخاص "  كذلك ما يقوم به مليكة هو نوع من خلق نظام معين من فوضى الشخوص و الأشكال التي حوله فإيقاع اللوحة يعكس نوعاً من الوحدة وسط التنوع وتعكس نغمية الاستمرارية وسط السكون مما يعكس جزأ من عواطفه و حالته النفسية ، الخط  فيها عنده احد من اهم أولوياته  أما اللون فهو دائماً البطل الرئيسي  في لوحات مليكة و لعل دقته في اختيار اللون هي التي تترك ذلك الايحاء عند المتلقي في أن عناصر اللوحة ليست وحدها  و لكنها في تفاعل مع الكون و الطبيعة  تبدو و كأنها سابحة في بحر كوني خلال رحلة خارج إطار الزمن و بلا مكان محلقة في وجود مطلق و كأنه ينحت شخوصه على جدار اللوحة و يخرجهم من نسيجها بألوان و اكاسيد براقة متوهجة تعود لمخزون بصري ثري من ذاكرة الطفولة لتصبح  اللوحة  في هذه الحالة بمثابة موازنة بين النظرة التجريدية والتمثيل الواقعي و تأتي كاستعراض مطلق للون وماهيته ، ففي أغلب رسوم مليكة أصبحت الأشكال نفسها مجرد نقطة للتركيز و نقطة لتجميع التجربة الابداعية الناتجة عن تجربته الروحية و الحياتية  لتأتي شخوص مليكة التي يشكلها بالخامات و يصورها بالالوان و يحفرها و يحملها بالاشارات هي غاية في التنوع و الكمال و التميز و الابتكار أيضاً و يظهر فيها تلك التقنية التعبيرية العالية التي هي نتاج لسنوات من البحث و التنقيب ، فلوحاته هي خلاصة تجربة وجود على قيد الحياة يشعر معها المتلقي في اللوحات  بنوع من القوة الخفية التي تربط الحياة اللامرئية الموجوده بداخل الفنان " روحه " بفعله الفيزيائي المتمثل في عملية الرسم  فتصبح هذه العملية قناه للتعبير عن القوة الحيوية الكامنة في أعماق الجسد الانساني و تلخيص للعلاقة بين الانسان و الطبيعة حيث تظهر الخبرة الجمالية نفسها في حلول بسيطة دون صعوبة في ايجاد وسيلة للتعبير عنها فنجد أن مليكة عندما يرسم مشهده دائما ما يوجد حلقة وصل بينه و بين هذا المشهد باحساس حداثي فرؤيته الفنية دوماً ما تغوص أعمق من سطح المشهد العادي معبرة عن معان ربما تكون اختفت او توارت عن السطح  و لكن لا بد من اعادتها إلى الذاكرة لانه لا محل لها من النسيان ، و هو يطرح مفاهيم بسيطة في لوحاته تتعدى في رسالتها الاحاسيس المادية العادية إلى أحاسيس مجردة فيرى المتلقي بابين خفيين في اللوحة أحدهما مؤدي إلى السماء يوصل إلى مفاهيم روحية مجردة نقية و الآخر يفتح على الأرض تعبر فيه شخوصه بوابات  ترقد فيها أرواح أجدادهم لتبدوا اعمال مليكة و كأنها إحياء لحضارة و ميثولوجيا دفنها الزمن و اكتشفها هو ليقوم بنفض التراب عنها في محاولته لاكتشاف جوهر الوجود و سماته  في أجداثها التي تحمل في ثنيات عظامها الباليه بعض من أجزاء اللغز الكوني .
 فكل لوحة من لوحات مليكة هي بمثابة منظومة عضوية عبر فيها عن رؤيته اللامتناهية للكون  و اللوحة من وجهة نظره هي اكتشاف لمنطقة جديدة في المطلق بحثاً عن حقيقة كونية او حتى محاولة لكشف ظواهر هذه الحقيقة و هو ما يتضح جلياً في  أعماله التصويره البارزه و التي رغم  انها للوهلة الأولى تبدوا للمتلقي كأنها تحمل طابعاً غربياً  إلا أن النظرة الفاحصة المتأنية لها يظهر فيها مدى اغراقه في ثقافته ومحليته ، و إن كان هو نفسه لا ينكر أن أعماله تحمل تأثيراً ينعكس في طبقاته الديناميكية و لكنه مجرد إطار للجوهر الروحي و النابع من أصوله فالمشهد هو مشهد ثقافته الأصلية و تقاليد أهله و جذوره  بالاضافة إلى تاريخه الشخصي و تفاعل تجاربه معها ، و الفكرة هي فكرة الكون الوسيط  "الروحانية الأيقونية الأثر و الشغف و الولع بالخلود  و الربط بين السماء و الأرض " هي ما يميز مشهد اللوحة هنا بالدرجة الأولى رغم الأثر الغربي  ،هذه اللوحات تبدوا و كأنها طبقات ديناميكية متتالية متفاعلة مع بعضها البعض ، و مع ما حولها من فراغ كما  يقول مليكة " أنا في أعمالي البارزة أحاول ان أوجد علاقة كونية بين اللوحة و ماحولها من فراغ من خلال ما تشغله طبقاتها و بروزاتها من فضاء " موجداً بذلك حالة من التناغم مع اللامتناهي .  
 كذلك نجد ان الفنان شغل في أعماله البارزة بفكرة علاقة الانسان بما حوله و ما يتركه  من اثر و ما يطرأ على هذا الاثر من تغير جراء تفاعله مع البيئة المحيطة مجسدا استمرارية زمانية من خلال ايجاد نوع من التوتر السطحي غير المنتظم محدثاً تناغم بين الغائر و البارز على سطح اللوحة  بطبقات من الراتنجات ثم أوراق الذهب و ينهي عمله باللون فوق طبقات من ذهب رمز الخلود المستمد من حضارته الفرعونية ،  ليصبح اللون و الأثر هما  بطلا الأحداث ، فاللون هو الذي يعطي الديناميكية والحيوية للعمل ويتوغل بين طياته سواء كان لون واحد مثل الرمادي أو الأزرق جامعا بين الوان الاثير و لون الخلود او بينه وبين مجموعة من الألوان الصارخة كدرجات الاحمر دلاله على حرارة الارض و وهج المكان و الحياة  خالقاً عالمه الخاص على سطح لوحته هذا العالم المميز الذي هو انعكاس للوجود و رؤيته لحل اللغز الكوني ففي عالمه المجرد لا يوجد سعي لاعطاء حياه أو لايجاد حياة هي موجودة فعلاً و لكن في إطار هذا العالم المغلق المجرد المكتفي المتوحد المعبر عنه بالقليل جداً من الخطوط و بألوانه القوية الصريحة الصارخة في رقصة كونية لا نهائية تشعر بايقاعها في ايقاع اللوحة المنسجم ، عالمه هذا يحمل في داخله كل عوامل الاكتفاء و الاكتمال و النغمية التي تجعله يحمل في داخله مفاتيح بدايته و نهايته و حله للغز الوجود من وجهة نظر صانعه .
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
جمال مليكة :
·         فنان مصري يقيم في ايطاليا منذ أكثر من 35عاماً
·         درس بأكاديمية  بريرا للفنون الجميلة  -  ميلانو إيطاليا - حاصل على درجة الدكتوراه في التصوير – ثم درجة الدكتوراه في السينوجرافيا
·         شارك في العديد من المهرجانات والمحافل الدولية   و نال العديد من الجوائز و التكريمات من  أهمها  حاصل على 9ميداليات رئيس الجمهورية الايطالية -  و 3 ميداليات " قداسة البابا يوحنا بولس " بابا الفاتيكان  - جائزة بينالي القاهرة عن مشروع" داخل البار كود "2003 – لقب نحات العام  2011 التي تمنحها جريدة ال جورنال الايطالية  - الميدالية الشرفية لامبروجينو لمدينة ميلانو  .
·         له العديد من المعارض الشخصية في مصر و في عواصم عالمية متعددة  من أهمها  معرض خاص مع 40 قطعة نحتية من اعمال النحات العالمي أوجست رودان  - جاليري هاي هيل لندن 2010
·         اشرف  جمال مليكة على العديد من المهرجانات  الدولية و شارك في تأسيسها و لجان تحكيمها .


·         جمال مليكة أحد مؤسسي  بينالي شرم الشيخ الدولي الأول للفنون  و كان قوميسيرا له 2013.







الجمعة، 30 مايو 2014

مفهوم الزمن في الفكر الهندي ( حكمة الحياة )

لقد آمن أرسطو و أفلاطون بمبدأ أن كل علم و كل  فن يمر بمراحل مختلفة ، منذ البدأ وحتى إلى ذروة الازدهار ثم  بداية الاضمحلال حتى التلاشي التام وهذا المفهوم لا يتعارض مطلقاً مع الفلسفة الهندية التقليدية التي تقضي بدوام الخليقة ، فالحكمة التي لا  تعترف بالعصر و لا  تقضى  بالدوام  المطلق  بل  بإعادة  التجدد و الازدهار  ثم الاضمحلال ثم العودة للتجدد من جديد عبر دائرية الزمن و تجدد العصور. وهذا على عكس ما نادي به القديس أغسطين و الذي لم  يعرفه  الفلاسفة الإغريق ، هو أن الحياة الإنسانية هي ظاهرة مميزة غير قابلة للتكرار والتجدد فتاريخ الكون من وجهة النظر الإغريقية هو آلية طبيعية تعتمد على  تكرار  نفسها  من  خلال دوائر زمنية و هو ما يتفق مع الميثولوجيا الهندوسية في هذا الشأن.
" وقد انعكس هذا المفهوم الزمني الدائري و الذي يتيح مجالاً لتكرار اللحظة أكثر من مرة على مفهوم الزمان و المكان في الفن  في منطقة  وسط أسيا ككل و في التصوير بصفة خاصة  ، فلقد وجد الفنان الهندي متعة كبيرة في تصوير مشاهد لا يحكمها إلا عبقريته الفنية متجاهلاً فيها قوانين الطبيعة الرئيسية وعنصري الزمان والمكان  ،  فقد جمعوا لحظات مختلفة من الزمن مع بعضها في  نفس  الصورة  بتقسيمها  إلى عدة أجزاء كل جزء له زمانه الخاص و مكانه الخاص ، أما وحدة اللوحة فتتحقق من خلال استلهامها  لنفس الموضوع  أو النص الشعري  فتظهر الأمكنة المتعددة كمكان واحد و الأزمنة المختلفة كزمان واحد  حيث أن  الهدف  ليس  تجميد  اللحظة و لكن استرجاعها.
  و لعل أحد أوضح الأمثلة على هذا المفهوم الزمني لقراءة الزمن في فن  التصوير هو أحد منمنمات العصر المغولي من الجيتاجوفيندا وهي منمنمة  باشولي راجمالاBasohli Ramala   من نهايات القرن السابع عشر على الطراز البهاري، فالمنمنمة التي تعكس قصة من المفترض أنها وقعت في أوائل القرن السادس عشر تعكس قصة حب لاثنين و العلاقة بينهما في لحظة تواصل تعكس حب كان في الماضي و مستمر إلى المستقبل دون توقف عند لحظة زمنية معينة وهي تصف انجذاب رجل إلى امرأة و يبدو هنا هو المسيطر لأنه الأكبر حجماً و الأغمق بشرة و تضارب لون بشرته مع ثيابه البيضاء تعكس فكرة استمرار الزمن ففي هذه الصورة لا يوجد أي إيحاء بانتهاء اللحظة و كذلك الخلفية الزرقاء التي تعكس سماء صافية لا تدل على أي  حالة  جوية معينة و كذلك الأشجار الخضراء تعكس إحساساً بالمستقبل أو باللحظة  القادمة  بنفس القدر الذي  تعكسه عن  اللحظة الحالية ، فجوهرية  شكل  الشخوص و علاقتهم بالفراغ  المحيط  بهم  يعكس استمرارية  زمانهم و قد أتاح  هذا المفهوم  الزمني  الذي يعطي المجال للزمن لينغمس خلال الجو العام للوحة لإظهار مفاهيم فلسفية معينة من خلال الأسلوب الفني و لإدماج العديد من الأفكار و الأساليب و أنماط التفكير الدينية في اللوحة الواحدة كذلك  فإن عنصر الزمان المتغير أتاح  الفرصة  لإعطاء  حيوية و تجديد  لتمثيل عنصر المكان و لاستغلال الفراغ  كما أنه يمنح  لأسلوب  التصوير الهندي تميزه و تفرده.



و قد تولد عن هذه الرؤية الدائرية  للزمن و التي تعد مبدأً أساسياً من مبادئ  الفن الهندي عموماً و فنون النحت و التصوير خصوصاً رؤية مميزة للإيقاع داخل العمل الفني ،  فالشكل  في الفن الهندي لا  يصور في  حالة  سكون  من  منطلق السكون   وإنما هو شكل مجرد لوضع ثابت  Staticأخذه جسم في حالة حركة أو هو اقتطاع Sliced offللحظة معينة أتخذها الجسم و هو في حالة الحركة ، وهذا المفهوم استقي  من  عملية  الرقص التي  توحد عناصر إبداع  الوضع ، و الذي هو عبارة عن  بنية من العناصر ساكنة  في  حالة حركة ، فحركة عدة أعضاء  معينة و سكنات و إيماءات هذه الأعضاء مثل الأيدي أو الرقبة أو الوسط أو الأقدام في فن النحت أو في فن التصوير عندما يقتطع الفنان وضع معين للجسم من وضع راقص أو متحرك و محاولة تصويره تجعل المتلقي يتذكر هذا الوضع من الرقصة الكونية للإله ناريانا Lord Narayana  و وفقا ً للميثولوجيا الهندوسية والمأخوذ بها  في الديانات  الثلاث الهندوسية و البوذية و الجاينية فإن هذه الرقصة التي أنتجت حركة إيقاعية  نتج  عنها الموجات  فوق  المحيط  الكوني و التي  أدت إلى الخلق و بناءه  تقابلها  على  الناحية الأخرى الرقصة الإيقاعية للإله شيفا الراقصNatarja Shiva  و التي تؤدي إلى الدمار و ذوبان الحياة و هذا ما يفسر الحركة الإيقاعية للحياة من بدء فصعود فذوبان و تلاشي .
والحركة الإيقاعية للحياة ليست مجرد حدث فيزيائي أو خارجي فقط External بل هي حركة روحية  تمثل  رغباتنا الروحية و إرادتنا  المادية و النابعة من أفكارنا وعقولنا والتي تتمثل في الرضا والحب والكره والانفعال و الذكريات و برغم الجمود الذي تبدو فيه و لكنها  هي التي تعطي المعنى و الفهم  لحركات  أجسادنا و تصرفاتنا المادية فحياتنا الداخليةInner life  هي التي تعطي  مفهوماً  لتعبيراتنا و تصرفاتنا الخارجية وهذه النظرية تنطبق أيضاً على المملكة الحيوانية والنباتية والتي لا تنفصل في الأدب و الميثولوجيا عن الحياة بل تتداخل مع الضمير و الوعي  فلابد أن  تتناغم حياة الإنسان مع الإيقاع  الكلي لحياة الطبيعية بما فيها من حيوان و نبات لتتناغم مع الحياة ككل و الدور الرئيسي هنا للفنان و الشاعر هو أن يكتشف هذا التناغم والتوافق في الإيقاع و يمثله في فنه و فلسفته .




و الخلاصة هي أن فن النحت و التصوير الهندي ما هو إلا مشاهد متقطعة من الإيقاع المتدفق و المتناغم  بين الإنسان و الطبيعة المحيطة  به و لذلك نادراً ما  تظهر أشكال لعظام أو عضلات في حركة الأجسام في  اللوحات حيث أنها  تفقد أهميتها  في  تدفق وانصهار المشاعر و في الحركات المعبرة المتوافقة ، و لعل هذه الرؤية تتفق مع رؤية ليوناردو دافنشي في كتابه نظرية التصوير في أن شكل الجسد لابد أن يتوافق مع الغاية  أو الغرض المراد التعبير عنه  في اللوحة  فإذا كانت الفكرة إظهار الرقة و الشجاعة المحببة  فلابد للأعضاء من أن تميل إلى الشكل الأسطواني و أن تظهر العضلات  بصورة  طفيفة  جداً  للتعبير عن الأخلاق الرفيعة أما الأذرع فلابد أن يكون فيها ليونة و رقة ، وهو ما يؤكد أن دافنشي يوافق على أن تدفق المشاعر الداخلية  للإنسان هي التي تحدد شكل تكوين الجسد الخارجي الذي من المفترض أن  يقوم  المصور بتمثيله و لكنه يرى أيضاً  أن العمليات العقلية التي يقوم بها الإنسان تولد حركة بسيطة  و سلسة  للجسد لأنها أفعال عقلية و أن هناك  مشاعر عقلية معينة لا يمكن التعبير عنها بأية حركة أو تعبير جسدي، وهو ما اختلف فيه مع التصوير الهندي الذي  تغلب على  ذلك  باعتماده  على  أسلوب  اقتطاع  أجزاء  من الرقص  الإيقاعي  في  التصوير و على  سبيل المثال  الشكل الجامد  لبوذا  يعبر عن  التوافق الذهبي مع الطبيعة و الكون من خلال شكل الوجه ونمط تصوير الجسد.
"  كما نجد في الفلسفة الهندية مبدأ آخر مهم إلى جانب مبدأ تدفق  موجات  مشاعرنا و أحاسيسنا كمؤثر على الأنسجة و العضلات و هو أن عقلنا الباطن باتحاده مع قوانا البيولوجيه  قد  يعطينا مدخل للمعنى الحقيقي  للحياة  فعندما  تتحد الحيوات الخارجيه للإنسان مع الحركات الداخلية لعقله فإن العقل الكوني و حياته الخارجية أيضاً يتحدان خالقان الكون الملموس أو المحسوس بالنسبة للبشر  المايا و لذلك اعتبرت الفلسفة الهندوسية الإنسان جزء من الطبيعة وشريكاً لها ولذلك تحدثت الثقافة الهندية من أدب وشعر عن المثل الإنسانية بل والأجساد الإنسانية على أنها جزء من الطبيعة ينبغي أن يتناغم معها و يسير على إيقاعه.
" و مفهوم التناغم نفسه يختلف ما بين الفلسفة الهندية و الفلسفة الإغريقية فبينما كان التناغم في الفلسفة اليونانية يتحقق عن طريق أساليب مثل السيمترية و وحدة الإيقاع هي الدلائل الأساسية على التناغم  و على تحقيق  مفهوم الجمال ، أما الفنان الهندي فالتناغم و الجمال عنده في جعل فنه معبراً و هادفاً و لكنه لم يكن يهدف للتعبير عن كينونته أو شخصيته و لكن للتعبير عن العناصر الكونية و النفسية في الإنسان و التي تنتقل مع  روحه عبر الزمن من جسد لآخر ، و حتى المشاعر التي  تكون  مزروعة بعمق في النفس الإنسانية مثل المشاعر الجنسية أو الخوف أو الغضب و حتى المرح و البطولة و التعجب و السكينة تعتبر مشاعر انتقالية و لها أيضاً جانب كوني ،  لسببين رئيسين أولهما أنها جزء من الإنسان وعنصر رئيسي من طبيعته وثانيهما أنها غرائز أساسية تنبثق عنها عدة مشاعر أخرى  قد تكون لها صلة بالكون و  بالطبيعة  الكونية .

الجمعة، 25 أبريل 2014

التأثير و التآثر ما بين الفنون الاسلامية و البوذية عبر طريق الحرير

ملخص البحث المقدم في ملتقى مجلة العربي الثالث عشر  "الثقافة العربية على طريق الحرير " المطبوع بكتيب فاعليات  الملتقى " 
الكويت "3-6 مارس 2014 " 

كانت منطقة وسط آسيا و حواضرها عبر طرق و ممرات طريق الحرير معبراً مهماً لانتقال و تواصل العديد من الثقافات و الطرق و الأساليب الفنية عبر الأزمنة و كان لهذا الطريق دوراً محورياً في نقل فنون ارتبطت بديانتين عظيمتين أثرتا في تاريخ البشرية و حققتا جزء كبير من انتشارهما عبر حركة التجارة و الحروب و الغزوات التي مرت من هذا الطريق و هما البوذية و الاسلام فكلتا الديانتين افرزتا تراث ثقافي و فني فذ اتسع ليشمل عدة أساليب ارتبطت بعدد من الحضارات و الثقافات مؤثرة و متأثرة ، و في طريقهما هذا احتكت و تواصلت و تضافرت هذه الطرز و الأساليب الفنية و تأثرت ببعضها البعض على أكثر من مستوى في المحتوى و الفلسفة و الأسلوب التقني الفني  و قد بدأ تبلور الفن البوذي في الهند و وسط آسيا .
فقد ظهرت الملامح الأولى للاسلوب البوذي في الرسم و التصوير في كهوف آجانتا البوذية في شمال الهند و قد عكست هذه الرسوم صورة عالية للتناغم و التوافق للقيم الجمالية للموضوع و المعاني التي اريد التعبير عنها وكانت طريقة الفنان في الرسم هي استعمال الالوان و خلق الأشكال و الأبعاد و النظم الايقاعية فكانت الألوان توضع بترتيب معين بحيث تظر المشاهد الأمامية ألمع و اسطع و الخلفية أكثر قتامة ، و قد انتقلت  تقاليد رسم الكهوف و استخدامها كأديرة من آجانتا إلى أنحاء متعددة فامتدت لباميان في افغانستان و كهوف تان-هوانج Tun-Huang  في شمال وسط الصين و قد كان البوذيين الأول يشجعون فن التصوير أو كما قال بوذاجوشا Budda Ghosha  "لا يوجد في الدنيا ما هو أفضل من فن الرسم " و لذلك أبدعوا في تصوير  الطبيعة ومشاهد الحياة العادية و المتع الحسية و لكنهم أرسوا نوعاً معيناً من الايقونوجرافيا في تصوير  بوذا كرست  لشخص فوق تخيل البشر ذو هالة خاصة بملامح مجرده تعكس تفوقه على الطبيعة الكونية ذات شكل اقرب إلى النحت فيها ديناميكية و أيضاً هدوء و سكينة كما أن الفنان الآجانتي أضاف عنصراً جديداً إلى اشكال بوذا و هو الألوان وذلك برسم عباءة بوذا بألوان مختلفة  .
و قد ارسيت في هذه الفترة القواعد السته التي سارت عليها كل المدارس و الرسوم في وسط آسيا و انتقلت من الهندوسية إلى البوذية  و منها إلى الرسوم الاسلامية و سميت " بالساندانجا "
وهي :
1.      معرفة ظواهر الأشياء .
2.      صحة الإدراك الحسي و القياس البناء . 
3.      فعل المشاعر في القوالب الفنية .  
4.      إدخال عنصر الرشاقة أو التمثيل الفني .
5.      مشابهة الطبيعة .
6.      استخدام الفرشاة و الألوان استخداماً فنياً .

هذا و قد اعاد " سايش-هوHsiesh-Ho " صياغة هذه القواعد في القرن السادس الميلادي مرة أخرى لتكون أساساً للحكم على أي لوحة فنية و انتقل هذا الأساس للحكم و النقد كما هو لمدارس تصوير المنمنمة الإسلامية  و ظلت محفوظة لم تتغير حتى وقتنا الحالي
و هي كالتالي :-
1-     أصداء أو رنين الروح Spirit Resonance  -  و معناها حيوية الروح التي تشير هنا إلى الطاقة الذهنية التي تنتقل من الفنان للوحته عبر الفرشاة .
2-     تقنية العظام Bone Method  - و معناها طريقة استعمال الفرشاة في قراءة شخصية المرسوم من خلال تكوينه العظمي في الجمجمة و الجسد .
3-     التفاعل مع العنصر و معنى ذلك تحديد الملامح الأساسية للشكلCorrespondence to the object
4-     مواءمة النوعSuitability to type   و هذا يتعلق بوضع الألوان .
5-     التقسيم  و التخطيطDivision and Planning   هنا نحن نتحدث عن توزيع العناصر و تخطيطها .
6-     النقل و النسخ Transmission by copying  بمعنى نسخ الموديلات .

و قد أوضح  سايش-هوHsiesh-Ho   أن العنصر الأول " رنين الروح " هو أهم عنصر من عناصر الحكم على اللوحة و إذا غاب فلا داعي للنظر إليها من الأساس .
لقد أجمع الباحثين على وجود أثر بوذي قوي على الفن الإسلامي  خاصة فيما يتعلق بالأشكال الهندسية      والنباتية و طريقة رسم الأسود و الشخوص الأسطورية التي زين بها البوذيين عادة الأسطح العادية و استخدموها محفورة على الأحجار و التي نقلت أحيانا كما هي أو معاد تصميمها و مدخل عليها تعديلات  لتتناسب مع الثقافة الاسلامية ، و هو الأثر الذي أمكن رصده في قمته تحت حكم أسرة تانج Tang Dynasty  ( 618م -908م ) الذي واكب نهاية حكم الساسانيين و بداية الفتوحات الإسلامية و لكن رصد الأثر في أقوى حالاته كان في عصر الخانات ( 1256م – 1334م ) نتيجة لاندفاع المغول عبر الشرق في غزو كان هدفه السيطرة على ممرات الطريق من الصين عبر بغداد نحو مصر من ناحية و نحو أوروبا من الأخرى بالتأكيد كان هناك تفاعل قبل هذا التاريخ منذ منتصف عهد التانج و في عصر العباسيين  بعد أسر بعض الفنانين البوذيين في معركة طالاس Talas و استقرارهم  في بغداد و الكوفة و لكن لم يتبقى آثار تصويرية لهؤلاء الفنانين من تلك الحقبة ، و ما بقي من بدايات الأثر البوذي على الفنون الاسلامية  كان تشكيلات معدنية استوحيت من أشكال الاعمارة البوذية و أشكال الستوبا .

في مرحلة حكم الخانات أصبحت تبريز عاصمة تصوير المنمنمة ،  " المنمنمة عبارة عن انتاج فني صغير الأبعاد يتميز بدقة  في الرسم  و التلوين و هو أسم يطلق عادة على الأعمال  الملونة و غيرها من الوثائق المكتوبة المزينة بالصور أو الخط أو الهوامش المزخرفة ".
 و تبريز ارتبطت بعلاقات قوية جداً مع الصين البوذية ثقافياً و تجارياً عبر وسط آسيا و كان أيضاً لفنانيها البوذيين باع كبير في أساليب تصويرية مبتكرة انطلقت بعد ذلك لتؤثر في مدارس الفن في تركيا و بغداد و المدرسة المغولية التيمورية التي جمعت بين التقاليد الهندوسية التي اتقيت منها القواعد الأساسية للاسلوب البوذي قبل تطويره في الصين و القواعد البوذية الصينية مضافاً إليها ما أصافه الفرس و العرب .
و رغم أن تصوير المنمنمات الإسلامية عبر طريق الحرير ظهر فيه الأثر البوذي واضحاً خاصة في جامع التواريخ ( تبريز ) و خمسة نظامي ( بهزاد حيرات ) و الحريري ( بغداد ) حمزة نامة ( دلهي ) لكنه تميز أيضاً بإضافة ميزته و أثرت على التصوير الديني البوذي و الهندوسي أيضاً و هو أنه تناول الانسان و الكون في إطار من العرفانية الصوفية متأثراً بتصاعد الحركات و الفلسفات الصوفية في نفس الفترة خاصة فلسفة النور للسهروردي التي أثرت على الشفافيات و اختيار الألوان لحد بعيد .

و عليه فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة حول علاقة الفن و الفكر البوذي بالتصوير الإسلامي هو :
-           كم عدد العناصر التي انتقلت من الشرق البوذي نحو الغرب الاسلامي عبر طريق الحرير و ما مدى قوتها  ؟
-          ما مدى قوة تأثير الغزو المغولي الذي مر عبر نفس الطريق في تكوين أشكال و  قوالب فنية جديدة؟

و للاجابة على هذه التساؤلات لا يمكن على الاطلاق إغفال التأثير و التآثر ما بين الفن البوذي و الفنون الاسلامية المرئية خاصة في مرحلة ما بعد الغزو المغولي  في تشكيل الفراغ و المنظور و الأشكال الآدمية  و طريقة رسم السحب و جذوع الأشجار  و تصوير و استدعاء انواع معينة من الحيوانات .


د/ سماء يحي


غلاف الكتيب
غلاف الكتيب
الملخص المنشور
الملخص المنشور
بوستر
بوستر
الجلسة الخامسة من الملتقى "الفنون على طريق الحرير" حيث عرض موضوع البحث الخاص بي - و عرض تجربة المصور رفعت يعقوبوف - و بحث د/ بندر عبد الحميد حول السينما و كانت الجلسه بادارة د/ صابر عبد الدايم
الجلسة الخامسة من الملتقى "الفنون على طريق الحرير" حيث عرض موضوع البحث الخاص بي - و عرض تجربة المصور رفعت يعقوبوف - و بحث د/ بندر عبد الحميد حول السينما و كانت الجلسه بادارة د/ صابر عبد الدايم

الخميس، 24 أبريل 2014

الأنوثة جوهر الحياة

الأنوثة ليست كينونة منفردة بل هي مبدأ كلي هو جوهر الحياة ، فالمرأة هي رمز للحقيقة الإلهية و صورتها رمز معرفة لا رمز هوية و وجود ، فبالصورة  يتصور الإنسان المعرفي نفسه متجسداً و هذا التجسد يسهل التعبير و  هذا التجسد  ايضاً هو محل انفعال و كل ما سوى الله منفعل  أي محل لتلقي  و التأثر بالفعل الإلهي و لذلك سرت الأنوثة كمبدأ كوني على كل الموجودات ، فالكون محل لفعل الخالق فالكون أنثى او كما قال ابن عربي " فلنحمد الله ما في الكون من رجل " .و المحل مرآة  و لهذا فالمرآة تجسيد لمبدأ الأنوثة  و المرأة  في الرؤية الصوفية هي فضاء جمالي يشهد فيه الصوفي تجليات و آثار الجمال الإلهي المطلق  و الاستغراق فيه  و هي محل اصلي لهذه التجليات المتمثل في الأعيان الثابته اي الحقائق الباطنية للأشياء و كل تجل يعطي خلق جديد و يذهب بخلق في اطار فاعلية الادماج و التوحيد بين العلو المتجلي و الصورة التي يتجلى قبلها و يضع اللامرئي و المرئي و الروحي و المادي في تجانس و انسجام .
وهذه الرؤية تجعل العالم مكاناً في غاية الجمال و الروعة فالعالم يمثل ظاهر الألوهية التي هي أعيان صور الموجودات فالله جميل يحب الجمال لذلك صنع العالم على شاكلته فجوهر تجليات اللله في الوجود هو عينه معنى الجمال الالهي  .
و هو كذلك بمثابة اطار فني لتذوق و رؤية العالم بمفهوم ايروتيكي له مفاهيمه الخاصه عن الحب و العشق و العلاقة  بالانثى  لذلك انعكست كونية الجمال الالهي على مفهوم الحب فهو ليس مجرد انفعال شيقي بل حركة تسري في كل الكائنات تنزع فيها الى الاصل النوراني او الحق فكل ما كان من النور كما قال الرومي يحن لأصله و كما قال السهروردي كل ما يلتمس النور انما جاء من النور و الله نور الأنوار خرجت من نوره المرأة ، " المرأة من نور الله فهي ليست حبيبة او حتى مخلوقة انما هي خلاقة " جلال الدين الرومي .، هي و كل الأنوار الأخرى التي يقوم عليها العالميين المادي و الروحي و هنا افتتن الصوفية بالمرأة النورانية كرمز للافتتان بالوجود و الحنين للأصل و يكون ذلك في شكل حس اغترابي يترقى به الانسان و لا يكون الا لأصحاب المواجد و هذا هو العشق يظهر فيه حنين المنفعل إلى الفاعل ، حنين المتجلى فيه إلى المتجلي ، حنين صورة النفس للاتحاد مع صورة الروح لتكتمل الدائرة و تكون طريقاً للمعشوق * .
" فالمرأة تكونت على صورة الرجل و تكون الرجل على صورة الله فيكون العشق حنين الصورة للأصل  و حنين الأصل للصورة  " كما قال ابن عربي .
و هذه الرؤية لمبدأ الأونثة الذي يقوم عليه الوجود كله .

جمال مليكة أصالة التراث ....و آفاق المعاصرة ( مقالي المنشور بمجلة الهلال - أبريل2014)

لقد سعى جمال مليكة جاهدا عبر رحلته التي بدأت في مصر و استمرت في ايطاليا إلى ترك بصمته و أثره المستمد و النابع من تراثه الأصيل المصطبغ و المتفاعل مع تجربة حياته في ايطاليا فتراث الماضي بالنسبة له ليس إلا جزء من الحاضر و البيئة المحيطة به و هذه البيئة ليست ماضياً بل حاضراً ملموساً في ذهنه و تجاربه و مخيلته فماضيه هو جزأ من معرفته بالحاضر موجداً رؤية  مميزة صهر فيها تجاربه و شخصيته و معتقداته و خيالاته و أحلامه واكتشف مساره المميز الذي ميز مسيرته الفنية عبر تطورها منذ البدأ و حتى الآن .

 كان فيها الإنسان و علاقته بالزمان و مايتركه من أثر  و مازال هو القضية مليكة الشاغلة فأعماله ما هي إلا مشاهد من الإيقاع المتدفق و المتناغم بين الإنسان و الطبيعة المحيطة به مولداً بذلك رؤية دائرية للزمن تتجدد فيها الحياة و عودة الروح للجسد الفاني مراراً و تكراراً , و هو ما وضح جلياً في أعمال الفنان كافة سواء النحتيه او التصويرية   . فاختار  لأعماله النحتية  تشكيلات لرجال آتين من عمق التاريخ و مومياوات لفراعين لا يحكمه في تكوينه شيء سوى عبقريته الفنية متجاهلاً فيه قوانين الطبيعة و عنصري الزمان و المكان لأن كل هذه عوامل تفقد أهميتها أمام تدفق و إنصهار المشاعر في الحركات المعبرة المتوافقة لهذه المنحوتات .فنجده يذيب أو يفكك حدود المادة الإنسانية لتماثيله بفراغات و تجويفات داخل الأثير و الزمان و المكان موجداً حالة من التناغم مع اللامتناهي تعبر بها أرواح تماثيله حدود الزمان و المكان و الوجود و كل المفاهيم النسبية التي تحكم الجسد الإنساني و تتخطاها طبيعة الروح الإنسانية  و يتضح لنا هنا مسعى الفنان للتعبير عن أن الحركة و الإيقاع للحياة ليست حدث فيزيائي خارجي فقط  external بل هي حركة إنسانية داخلية Internal بالدرجة الأولى تمثل رغباتنا الإنسانية و إرادتنا المادية النابعة من أفكارنا و عقولنا و مشاعرنا كبشر و إنفعالاتنا المختلفة و الذكريات و الذاكرة و كلها مفاهيم تعطي المعنى و الفهم للغة الجسد . ثم ينهي الفنان عمله النحتي بالضوء المطل علينا من تجويف التمثال الضوء ذلك الثابت الأزلي الذي لا يتغير و إنما الأرض بما عليها من حيوات و أمكنة هي التي تدور حوله مما يدعم مفهوم المطلق و تجدد الروح وإعادة البعث في الوقت ذاته ، و هو نفس المفهوم الذي جسده الفنان في اعماله التصويره من خلال ديناميكية الخط و ضربات فرشاته السريعة على سطح اللوحة فالخط هو البطل الرئيسي غالباً في لوحات مليكة و لكنه لم يهمل اللون فهو واحد من اهم أولوياته  فدقته في اختيار اللون هي التي تترك ذلك الايحاء عند المتلقي في أن عناصر اللوحة ليست وحدها  و لكنها في تفاعل مع الكون و الطبيعة  تبدو و كأنها سابحة في بحر كوني خلال رحلة خارج إطار الزمن و بلا مكان محلقة في وجود مطلق و كأنه ينحت شخوصه على جدار اللوحة و يخرجهم من نسيجها بألوان باكاسيد براقة متوهجة تعود لمخزون بصري ثري من ذاكرة الطفولة  ، فكل لوحة من لوحات مليكة هي بمثابة منظومة عضوية عبر فيها عن رؤيته اللامتناهية للكون  و اللوحة من وجهة نظره هي اكتشاف لمنطقة جديدة في المطلق بحثاً عن حقيقة كونية او حتى محاولة لكشف ظواهر هذه الحقيقة  و هو ما يتضح جلياً في  أعماله التصويره البارزه فنجد ان الفنان شغل بفكرة علاقة الانسان بما حوله و ما يتركه  من اثر و ما يطرأ على هذا الاثر من تغير جراء تفاعله مع البيئة المحيطة مجسدا استمرارية زمانية من خلال ايجاد نوع من التوتر السطحي غير المنتظم و تناغم بين الغائر و البارز على سطح اللوحة فكأنه ينقل احفورة من التاريخ إلى داخل صاله العرض لتحكي لنا ذكرى تركها حافرها برمزياته و بمرور الوقت تخلصت من تفاصيلها الاصيلة لتتحول الى نحر على جسد الزمن بايحاءات و معان مجردة  تزيدها سحرا و غموضاً .

و من هنا نجح مليكة في تحقيق معادلته الصعبة في الموازنة بين ماضيه و تراثة و حاضرة بكل مافيه من تنوع  و بين الأنا و الآخر اي اشباع حاجاته في التعبير عن النفس و ايصال الفكرة للآخر بطريقة تحظى بقبوله و رضاه دون التخلي عن اصالته

"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""

جمال مليكة :

فنان مصري يقيم في ايطاليا منذ أكثر من 35عاماً حاصل على الدكتوراه من أكاديمية الفنون الجميلة بريرا ميلانو إيطالياشارك في العديد من المهرجانات والمحافل الدولية   و نال العديد من الجوائز و التكريمات منها  حاصل على 9ميداليات رئيس الجمهورية الايطالية و 3 ميداليات بابا الفاتيكان - جائزة بينالي القاهرة عن مشروع" داخل البار كود "2003 – نحات العام في ايطاليا 2011- الميدالية الشرفية لامبروجينو لمدينة ميلانو  من أهم معارضة معرض خاص مع اعمال النحات العالمي أوجست رودان  - جاليري هاي هيل لندن 2010

اشرف على العديد من المهرجانات و شارك في تأسيسها و لجان تحكيمها أخرها بينالي شرم الشيخ الأول للفنون و كان قوميسيرا له 2013.